Kitab al-'atab - Samir Tahadjrit - E-Book

Kitab al-'atab E-Book

Samir Tahadjrit

0,0

Beschreibung

Dieses Buch ist der 1. Teil eines Werkes in 2 Bänden zum Thema der Jugendpädagogik in Algerien. Autor ist der algerische Soziologe und Dichter Samir Tahadjrit. Er berichtet ProMosaik LAPH Folgendes über sein in arabischer Sprache verfasstes Buch: "Die Idee, dieses Buch zu schreiben, kam mir, als ich in einer Jugendorganisation in meinem Heimatdorf tätig war. Durch Zufall nahm der als Erstentwurf gedachte Artikel die Form eines Buches an. Die Informationen häuften sich und ich wollte sie einfach festhalten, damit sie nicht verloren gehen. Eine Veröffentlichung dieses kritischen Werkes in meiner Heimat wurde durch viele Hindernisse erschwert. Somit freue ich mich, dieses E-Book heute in Deutschland veröffentlichen zu dürfen. Es geht mir um die Förderung des Konzeptes der Integration als neues Beschäftigungsmodell. Ich habe mein ehrenamtliches Engagement zu keinem Zeitpunkt bereut. Gleichzeitig bin ich aber entmutigt, wenn ich an die Umsetzung meiner Ideale denke. Die Situation der Jugendpädagogik in Algerien befindet sich in einer Stagnation. Diese Situation hat nicht mit den Jobangeboten, sondern viel mehr mit dem Mangel an funktionalen Rollen zu tun. Meine Mitarbeiter und ich sind junge Menschen unterschiedlichen Alters. Die Jugendpädagogik darf sich meiner Meinung nach nicht auf die Freizeitgestaltung beschränken. Wir brauchen innovative Konzepte, um vorgefasste Meinungen zu überdenken, einen dynamischen, frischen Wind in die Pädagogik reinzubringen und wirksame Methoden für die Ausbildung der Frauen und Männer der Zukunft zu erarbeiten und umzusetzen. Wir brauchen eine zukünftige Generation, die Dinge in die Hand nimmt, Ressourcen und Werkzeuge einsetzt, die eine starke Generation hervorbringen, die sich ihren neuen Herausforderungen stellt. Globalisierung, Technologie und alle Formen der Wissenschaft fordern die Jugend heraus. Wichtig ist, dass die Jugend mit Hilfe der Psychologie und Soziologie versteht, dass sie sich für den Weltfrieden einsetzen muss.

Sie lesen das E-Book in den Legimi-Apps auf:

Android
iOS
von Legimi
zertifizierten E-Readern
Kindle™-E-Readern
(für ausgewählte Pakete)

Seitenzahl: 233

Veröffentlichungsjahr: 2025

Das E-Book (TTS) können Sie hören im Abo „Legimi Premium” in Legimi-Apps auf:

Android
iOS
Bewertungen
0,0
0
0
0
0
0
Mehr Informationen
Mehr Informationen
Legimi prüft nicht, ob Rezensionen von Nutzern stammen, die den betreffenden Titel tatsächlich gekauft oder gelesen/gehört haben. Wir entfernen aber gefälschte Rezensionen.



Urheberrechte: Samir Tahadjrit

Eine Veröffentlichung von ProMosaik LAPH

Druck: EPUBLI

Prinzessinnenstraße 20

10969 Berlin

Alle Rechte vorbehalten.

سمير الوغليسي البجائي الجزائري

كتاب العتاب لما آل له الشيب و الشاب

دراسة ميدانية لما هو عليهقطاعات التنشئة الإجتماعية و المواطنة

دار فكر / كُوجِيتُو

بسم الله الرحمن الرحيم

إنهم فتية أمنوا بالله فزدناهم هدى [سورة الكهف، الأية 13]قرآن كريم

"نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ"

"لا تزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عنْ أربع ٍ عنْ عُمُرِهِ فيما أفناهُ وعنْ جسدِه فيما أبْلاهُ وعنْ مالهِ مِنْ أيْنَ أخذهُ وفيما أنْفَقَهُ و عنْ عِلمِهِ ماذا عَمِلَبهِ"حديثشريف

إهداء

أهدي هذه المحاولة إلى كل من وجد في قراءتها ضالته

الــمــقــدمــة

وددت الكتابة في موضوع الشباب لا لشيء إلا لتسليط الضوء على هذه الفئة بحكم مخالطتي لها لمدة عامين و نصف العام، من خلالها إطلعت على مدى معاناة هذه الشريحة التي لم نفتأ نفهمها جيدا و هي الغالبة في مجتمعنا وغالية علينا بمكان، و غريب مدى جهلنا و مجاهلتنا لها بالرغم من كونها فلذة أكبادنا وعماد و مستقبل بلادنا، و أي مستقبل؟ مستقبله القريب و القريب جدا.

و لعلي، أسترسل في الحديث لأكشف مع نوع من المقارنة واقع المؤسسة المعنية بخدمة الشباب مقارنتا بما هو معمول به في بلدان العالم المتقدم، قياسا على ذلك أن أمدكم بالسياسات و المشاريع و المناهج التي يفترض أن يعمل بها للرفع من مستوى القطاع الحامل لاسمهم و المعني بهم مباشرتا، قصد النهوض بشباب الوطن و أن يصنع منهم جيل من الرجال و النساء المعتمد عليهم في البناء و التشييد و الدفاع.

و لن يتم كل هذا إن لم يعاد النظر في مشروعية مطالبه، و المضي قدما في تأسيس دعائم مواطنة شاملة بالدرجة الأولى، التي من شأنها أن تحشد لأبنائها الوسائل المادية و الهمم البشرية اللازمتان للوقوف بجانبهم، على أن لا يقبل المساومة فيها حفاظا للكرامات و إلا مهدنا لأنفسنا طريق المهجر للمغادرة بعيدا، و حتما سوف نختار وجهة بلد ما يعتنى بأولادنا و إن لم نكن نحن فاعلين في مناصبنا و ببلدنا الأم، ليس شفقة بهم بل إستثمار يخرج فيه الكل رابحاً يطلق عليه إسم مشروعمجتمع، تشترك فيه جميع فئاته دون أي تميزأو إقصاء.

لظاهرة الشبابية

أريد بدايتا أن أفك الإبهام حول الموضوع في زاويتان هما النفسية و الإجتماعية، في تحليل ما مفهومه معالجة الظاهرة الشبابية في بلادنا و في سائر بلدان العالم الثالث.

أولا، الظاهرة الظاهر منها غير الظاهر للجميع، كالجبل الثلجي الذي جزئه العائم في الماء ليس كالجزء المطمور تحته، فبالمقارنة بينهما نجد أن الثاني يتعداه حجما إلى أحجام مضعفة لا تدرك، و لسوء الحض الجزء المدرك هو الأكثر شيوعا دوما لأنه ظاهر للعيان. و بهدف صقل فهم أخر و إحداث وعي جماعي ما إختلفت المواضيع و تشعبت لدى الخاص و العام على حد سواء، كان لزاما علينا إستبعاد هذا المنطق ما إستطعنا إليه سبيلا، و الطريق إلى ذلك سهل ممهد فـإبن خلدون أتى بالحل منذ قرون خلت، منهجه في ذلك الذي أسماه منهج الشك و اليقين أو الحذر و التمحيص.

أما دوركايم عالم الاجتماع الفرنسي واضع أسس علم الاجتماع المعاصر فقد سمى منهجه في كتابه: » قواعد علم الاجتماع «مبدأ رفض الأفكار المسبقة، و فكرتنا المسبقة التي نحن بصددها هنا هي التى مفادها: الترخيص في التشهير لشباب لا ترجى منهم أدنى فائدة، شباب فاسد خامل أعياه الكسل، لم يختار درجته الإجتماعية فوضع في الدرجة الثانية من الحقوق و الواجبات مع باقي الفئات، ننظر إليهم على أساس أنهم مراهقين و قصر.

لن نحقق نتائج تذكر مع هذه الأفكار المريضة و المتطرفة و الفارغة، التى تقود إلى الإحباط ما لم نصححها أو أن نحقق فيها، آن الأوان علينا من إحداث قطيعة معرفية إبستمولوجية في وجه مثل هذه الأفكار العامية الساذجة و المبتهلة، أن نعوضها بالعلمية المدروسة و المخبرية.

الفكرة الثانية، أن نُخلص أنفسنا من أن نجعل عليهم وصي و رقيب، و الأخطر حين أخذ القرارات الإعطباطية من دون مشاورة أو مكالمة. عامل الإتصال مهم و خصوصا بين الأجيال و الدليل على اللاتواصل أن تتداخل مفاهيم الحياة لدينا لدرجة أن نحكم بما هو مفيد أو ضار نيابتا عنهم، و ليس موضوع الحكم يعنينا مباشرة و كأننا نفرض عليهم شخصية غير شخصيتهم، أو أن نميز بين أبناء المجتمع الواحد و أن لا نميز بين الجائز و الغير الجائز فعله، ضلما و عدوانا دون وجه حق عدى كونها تفرقة بين الأفراد و الجماعات بطلقة واحدة مختصرة في حرفين أو ثلاثة أحرف، هي: هم و نحنعوض من نحن واحدة تكفي الجميع، فكلنا أبناء بلد واحد فلما نقول و نصر على أن نكرر دائما و أبدا عبارات التفرقة، كالإشارة على الأخر قائلا: "هذا صغير و أنا كبير" و "هذا من سكان الريف" لأنك أنت من الحضر، و "هذه أنثى" لأنك أنت ذكر، و "هذا مستواه كذا" لأن مستواك أنت أرفع و مستواه أحط، و حتى و إن لم يكن أرفع سوف تقولها بنوع من التكبر و الغرور: "هو من مستوى كذا و كذا و أنا من مستوى كذا و لكني أحسن منه تكوين" و من دون أي داعٍ يذكر.

تلكم سياسة الفصل المكيافيلية التي خلفها الإستعمار و التي و على عكس المواطنة تشتت المجتمعات و تقسمها إلى أفرد و جماعات، يعيش فيها قوي و ضعيف، مهيمن و مهيمن عليه، بالرغم من أن القرن الواحد و العشرين مصرع كل هذه المفاسد و المظالم.

قياسا ببلاد الغرب نحن متأخرون كثيرا، فهم يحاربون كل تميز من مثل هذا النوع و يقرون بتميز من نوع أخر، أسموه: التميزالإيجابي، أفادهم كثيرا في حل مشكل تمثيل شريحة الأقليات العرقية و النساء. هذا المفهوم من التميز لا بأس به عندنا كونه يدعو و يدعم و يؤسس لأسس العدالة الإجتماعية من دون فروق طبقية أو جغرافية، في مجتمعات تسودها البيروقراطية و تعمل بالمركزية لحل أتفه المشاكل.

إن لم تعط للشباب هذه الفرصة المصداقية الوحيدة في تمثيلهم في ميادين شتى من الحياة، من دور و مؤسسات التنشئة الإجتماعية و الحكومية سوف نقود بهم نحو الهاوية و التعقد النفسي و ظهور الفوبيا الإدارية و إنفصام و تشتت الشخصية، و معها إنهيار و تفسخ الهوية الوطنية، من قبل أن نأتي بها إلى الوجود ترانا نجهضها و نجهز عليها بأيدينا.

نحن في غنى من الأزمات وغير قادرين عليها، فالرادع الوحيد لها إن ظهرت ليس في قمعها و إرسال جنودا من ثكناتهم لمجابهتها في الوقت الذي علينا أن نُخرج جنودا من نوع أخر هم علماء النفس و علماء الاجتماع لدراستها. ما دامت الفرصة سانحة فإنه من الممكن التفاعل معها بفتح ميادين و مساحات للتواصل الاجتماعي، عوض أن تكون الشوارع و المقاهي و المساجد و الملاعب مسرح لها.

إن أوكل الأمر لغير أهله فإنتظر الظاهرة، كون من يقرر لهم و يسييس لهم أمورها من الفئة العمرية الثالثة أو حتى الرابعة، لا تفتأ تدرك أن العصر فاتها و المشعل ليس حكرا لها بل عليها أن تُحظر البديل لتولى زمام المسؤولية، ليس بضارها في شيء بدليل أن من يتعاطى مع الشباب ليس يدري حتى من هم الشباب؟ و ما السن الذي أمكن أن نفرق بين الشاب و من قد شاب من رئسه؟ فإن سمعت لهم فسوف يحدثونك عن شاب من نوع أخر هو أكبر في السن، إلا أنه و بحكم تمتعه بالفكر الشبابي قد ينتهي به المطاف لأن ينتمي إليهم، و يتجاهلون الشاب الحقيقي الذي في نظرهم هو القاصر حصرا.

في الحقيقة، من كان له طموحات في الحياة أبدا ما كان السن عائقا في تجسيدها، فعباقرة في ميادين العلوم و الفنون و الأداب أبدعوا و سنهم لا يتعدى الرابعة عشر، كثيرون منهم تركوا إرثا ناصعا و الكثير ممن هم أناس عاديون مثلي و مثلك بدئوا للتو يفهمون الحياة على حقيقتها و هم يشرفون على سن الأربعين، كما في هذا الدليل الرباني:

حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه[سورة الأحقاف، الأية 15].

فلا نجعل من بلداننا بلدان للعاديين فقط دون العباقرة النابغة، و نجعل من هجرة أدمغة العصر كمثيلتها السالفة رحيلهم مصيرا واحدا محتوما و لعنة نتوارثها جيل عن جيل. أكدت الدراسات العلمية بأن ما نزرعه في نفوس الشباب و الصغار في أعمار مبكرة تحدد و تأكد عقليتهم و مشوارهم المستقبلي الذي سوف يتبعونه، فإن شبوا على المثل الحسنة و كنا ممن يحفزهم على النجاح و لو بمجرد كلمة بسيطة نقولها و نكررها على مسامعهم، ككلمة: "تستطيع" نكون قد شاركنا في نجاحهم، كما مقولة عالم الإجتماع إيميلدوركايم: "مهم كان الابداع فردي فللمجتمع نصيب فيه"،و اليد العليا خير من اليد السفلى كما نعرف، و لا تستوي الظلمات و النور، نور العلم و ظلمة الجهل، و قل ربي زدني علما.

من دون مساهمتنا تلك إقتدنا أنفسنا إلى مفهوم مغلط و خاطئ، و خطير مفاده و منقلبه أخطر، أنه لا مجال للشاب من أن يشارك في إتخاذ القرارات و إن كانت موجهة له.

و ثانيا، و هو شيء ملاحظ في الواقعو هو من أن نرى البالغ عكس القاصر، صح ذلك من جهة واحدة لكن لهذا التطرف نوايا هدامة، صح منها ما يلي: أن الشاب و القاصر غير ناضج مثله مثل البالغ، و أن البالغ يتفق معه في عنصر هو أن هذا الأخير كان و تمتع يوما بفترة شباب، أي أنه مر بهذه الفترة العمرية و بالتالي يعرف عنها الكثير، في حين القاصر و الشاب هو غير واعي و ناضج لأن يقود مصيره بمفرده و لا يتمتع بالخبرة الكافية لذلك. ونكون قد تجاهلنا العامل الثاني و المهم في صقل الشخصية السوية ألا و هو العامل الاجتماعي الذي لم يٌعرفعنهأن إستقر يوما، كون عصر شبابهم غير عصر شباب اليوم، و الحنين لهذه الفترة لشباب الأمس يعتبر تعصب لا أكثر و لا أقل و هو في ذاته إنتحار للشخصيةالوطنية، العامل المشترك بين مواطني المجتمع الواحد، الشخصية التي من واجبنا الدفاع عنها قصد أن تعبر عننفسها بنفسها من دون واسطة أو ترجمان.

و حتى إن وجدت البراءة في هذا المفهوم و ترجم إلى عمل ما أمكننا تصديقه، البحوث النفسية و الإجتماعية تحدثنا عن عالم للكبار غير عالم الشباب، أين يعمل بموجب قوانين و سياسات و أحكام الكثير منها لا يجدي منها نفعا، و إن كان الغرض منها تسييس الحياة الإجتماعية للكبار سنا فقط. و حتى إن وجدت و نجحت من الذي يذود عنهم؟ أليسوا الشباب من يحمون الحدود؟ فإن كانوا قصرا فلماذا نحملهم هذه المسؤولية الثقيلة كمسؤولية الأمن و الدفاع اللتان ذات أهمية كبرى في مجتمع ما من المجتمعات؟! أكد ماكسويبر في نظرياته الإجتماعية من وجود سلوك لدى الأفراد و لدى الجندي يعرف بالفعل الإيرادي والواعي، فالفرد في نظره فاعل يلم بأفعاله و يدركها، هذا دليلا عن النضج المبكر مع القدرة على تحمل المسؤوليات.

مشكل أخر في الفهم و هو ما أسميه الدافع نحو الـلا فهم أو التغليط، كيف ذلك؟ ذلك أن الدوافع الغير الشعورية في الإنسان و المكبوتة و التي ترسم معالم شخصياتنا الفريدة فردة الجينات الوراثية لدى الأفراد و بصمات اليد البشرية و التي لا نورثها أحد، تجعلنا مختلفين بعضنا عن بعض. فنحن نعلم طبعا أن الأعمار بيد الله و لكلا إستعماله الخاص للعمر البشري، و وقتنا كلا فيما يقضيه، لكن أن يقال لك أنه أمكنك أن تتماطل في عملك و أنت تتقاضى أجرك الشهري، ليس الهدف من قولهم هذا راحتك لما رءوا من جهد تقوم به بل من أن يستبعدونك عن مهامك و يشغلونك عنها، و هو نوع من أنواع التقاعد الإستراتيجي الذي يخدم رؤسائك في العمل، بالرغم من أنهم يعلمون أن مثل هذه السلوكيات تضر العمل أكثر من كونها تخدمه.

نهيك عن إختلاسات للمال العام وأجبنها إستعمال و تحويل عتاد مكتبي أو خدمات، أو حتى أن يحول قوى عاملة لخدمته في ملكيته الخاصة في منزله أو مزرعته..، نهارا جهارا.

و لعل سبب عدم معارضة الوسط المهني لمثل هذه السلوكات الصادرة من قبل المسؤولراجع لكون الموظفين تحت إمرته موظفين غير مرسومين في مناصبهم، و هشاشة العقد الذي يربطهم برب العمل، و حتى و إن كانت عقودهم أبدية ما كانت مجابهة قرارات المسؤول سهلة الحدوث، لأن في ذهنية العامل أن مواجهة مسؤول له هي بمثابة إمضائه على إستقالته و خراب بيته. و كثيرا ما أٌفهموا ذلك في جملة من القررات التعسفية القاضية بالتحويل لمكان عمل أكثر بعدا أو لمهام أحقر كعقوبة لما بادر عنه و لو لمجرد أن يعظه أو يعظ بواسطته الأخرين، مستعملا إياه مثالا يريد بواسطته إشعار زملائه في العمل (مرؤوسيه) بما هو مصيرهم بمجرد التفكير بالتذمر أو التمرد أو رفض سلطته و إنتقاد طريقته في العمل. و لأجل تجنب التمثيل بك و دفع مثل هذا الثمن الباهظ نيابتا عن الزملاء (*) يلجأ العامل أحيانا لمغازلة سيده، و هذا تمام الجهل و المعرفة الناقصة لقانون العمل، و بالخصوصالفصل المتعلق بالحقوق، أين التفتيش لا يؤدي دوره، مطأطئ رأسه دوما و يشهد بالولاء الأعمى للإدارة، إلى جانب عامل إنعدام النشاط النقابي الحر نهيك عن وقت العمل الذييأخذ بلا تعويض، كأن يسمح لك بالتأخر أو بالغياب كرد جميل من غير داع و من غيررادع حين يسود التنظيم الغير الرسمي المؤسسة.

ذ

(*) الزمالة هي الموجودة و المتواجدة في كل مكان، مثلها مثل الصحبة في الحياة إلا أنها في مكان العمل يطلق عليها الزمالة. الزمالة هي كل شيء في الحقيقة، فمثلا أنتَ زميلي في مكتب من مكاتب الإدارة، و كلنا زملاء ما دمنا نشتغل في نفس المصلحة و نفس المؤسسة، و لا دخل للرتبة المهنية بالزمالة في الكثير من الأحيان ما دام باب غرفة الإجتماعات تغلق علينا و رئيسنا في الإجتماع رئيسا على الجميع، فعلم أن وجودك معهم مهم و رأيك كذلك، هذا ما يسمى بالتواصل في العمل وإحدى محفزاته الإجتماعات. و المدير الذي يترأس علينا الإجتماع هو زميل أمام زملاء أخريين هم المدراء الجهويين لدى مدير مديرية القطاع الذي تنشط فيه، و نفس الشيء لمدراء المديريات لدى والي المدينة، و كلاكما زملاء لدى حضرة وزير القطاع الذي تنتميان إليه. و الوزير زميل للطاقم الوزاري المتكون من وزراء القطاعات الشتة لدى الوزير الأول أو لدى رئاسة الجمهورية أو الملك و الحاكم، كذلك النواب و

حين حضورك في الهيئات الدولية نفس الشيء دائما يتكرر، و لولاها لما أعطيت الوظائف و الأمانات حقها.

و واجب الأمانة عليك الإدلاء برأيك لمن يكبرونك مرتبة وظيفية لكي يعلم بها، و تكون بذلك قد أديت دورك و كنت صوت الفئات السفلى في المجتمع التي لا ينبغي أن ننسى أنها من أوصلتك إلى هذا المنصب قصد أن تحتكم لمطالبها و تترافع عنها، و مسؤولية أمدك بها الله و رسوله، كما في الحديث الشريف:"كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته"و هذه السلسلة كالعقد الذي إن إنقطع خيطه سارت اللآلئ كل في إتجاه، و ما أشبهها بتلكم الصورة التي في سورة يوسف، الذي إستطاع بعون الله و تأييده من لمِ هذه اللآليء في عقد واحد بعد ما ذهب شملهم سنين عدة، الآية:إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَإلىقوله:يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ[سورة يوسف، الأية 04 و 100].

الرادع الوحيد في أن يتمتع المرء بضمير، كما النفس اللوامة التى أمكنها أن تلعب دور الرقيب عليه، و هي نفسها الحارسة التى لا تطمئن بسهولة و لا يهدءا لها بالً إلا أدت وظيفتها على أكمل وجه. و قَلَّو إستحال أن تبلغ نفسا تمام الإطمئنان، فلبلوغ الطمأنينة شروط تمليها و عليك تلبيتها و إشباع رغباتها، و أبسطها مجرد أن تطلب منك تفقد باب بيتك إن أحكمت غلقه أم لا قبل الخلود للنوم؟ إن لم تفعل فلن يأتيك النوم و لا الراحة إلا نهضت من فراشك و إن كانت عقارب الساعة تشير إلى ساعة متأخرة من الليل، فلا بأس من الإزعاج و المحاولة و لو لمجرد الحيطة فقط.

تقودك إلى القيام بجولة تفقدية ليلية إجبارية لعل في الجوار من نفوسهم أمارة بالسوء يتربصون بك، و ينتظرون مثل هذه الفرص كفرصة غفلة الاطمئنان ليقوموا بمباغتتك و عكر صفو هدوؤك، فكن مستعدا كل الإستعداد و النوم قرير العينين سيكون حليفك عن قريب، فيغشاك ما يغشاك من النوم و يغشاك ما يغشاك من الطمأنينة في الآن نفسه، و لا بأس بعد ذلك من أن تستحضر جنة الأحلام.

في القرآن إشارة صريحة لهذه النفس، في قوله تعالى:و لا أقسم بيوم القيامة و لا أقسم بالنفس اللوامة[سورة القيامة، الأية 1 و2 ]، و القيامة و النفس اللوامة جيء بهما في نفس الموضع من الآية الكريمة لسبب وجيه، كون للإثنين عامل مشترك و هو الحساب، فيوم القيامة هو نفسه يوم الحساب بلفظ أخر معروف أما النفس البشرية فسميت باللوامة لأنها تحاسب صاحبها، و كما يقول الرسول(ص):"حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا".

للعمل ضمير أيضا يعرف به و هو الضمير المهني، و الضمير من غير رقابة و محاسبة ليس بضمير، و عليه أخذت المراقبة مكانة هامة في تسير المؤسسات معروف جدا نجاعتها في تنظيم العمل الإداري. يلعب هذا المبدأ دورا هاما في سيرورة العمل الوظيفي و إستمراريته، الهدف منه تحقيق الرضى فالمراقبة هنا في صورة النفس اللوامة والرضى صورة عن النفس المطمأنة، هي بمثابة القوة الدافعة الخفية لدى الأفراد و التي لم تفطن إليها حتى علوم الإدارة إلى يومنا هذا، أو شح في تطبيق مبادئها التي ما فتأت تضع أي سلوك للعمال في خانة السلوكات المبهمة و هو نفسه المسمى بـ: ساحة السلوك الغيبي في الإنسان Zoned’incertitudeالغير الممكن التنبؤ بها.

فقليل ما سمعت في هذا التنظيم النسقي عن محاسبة و لو مسؤول، أو حتى مجرد أن يذكر إسمه في إجتماع، و السؤال المطروح الذي يبقى يفرض نفسه في هذا النسق و الذي لن تتلقى الإجابة عنه، و هو: منيكون؟

وعينا ذلك أم لم نعيه فالعمل عندنا هو مجرد التوهم بالعمل و التملص منه السمة الغالبة، و الحيليون الأكثر سلوكا لهذا الأسلوب الذي إن عكس شيء فلأن يعكس مدى عدم جودة عملهم، أو بغية إخفاء مؤامرة عن حقيقة مستواهم أو حتى حقيقة مشروعية توظيفهم أصلا. الغريب في الأمر أنك تراهم أكثر الذين يتمسكون بمنصبهم خوفا من أن يضيع من عن أيديهم، على الأرجح يريدون أن يتوفاهم الله في مناصبهم! أ لهؤلاء نفس تصورنا و نفس مفهومنا لمن هم شباب؟

سوف نجيب في مكانهم كي لا نحرجهم، إن لم يكن رادعك نفسك و لست ممن يتمتع بنقد ذاتي، ففعل ما شأت و تحمل مسؤولياتك.

إن النفس البشرية عالمية من حيث الأمر بالسوء إلا من جعل نفسه خادمة لمولاه، أن لا يجعل معه شريك ممن يشوش عليه عمله أو الإنابة و التوبة و الرجوع للطريق الصحيح بسرعة. لسوء الحض كثيرون ليسوا كذلك، ولعل إمارة المسؤول على باقي المستخدمين السبب، فهم يأخذونه مثالا يحتدي به و إن سن فعلا ما مخزي فسوف لن يقاومه و يقومه الزملاء، بل بالعكس سوف يحدون حدوه و يجدونها فرصة ليقلدونه.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من عاشرقوماًأربعين ليلة صارمنهم"،و أريد أنأجذب إنتباهكم إلى مدى أهمية هذا الحديث بالخصوص، لأنه يسلط الضوء في نظري على نقطة حساسة تمشي عليها الإدارة في بلادنا ألا و هي مدة التجريب للترسيم في القطاع العام التي توافق عام من النشاط، في حين أنه لا تتجاوز الشهر أو الشهرين لدى القطاع الخاص و في بلدان عدة من العالم، و هو نفسه القانون المنصوص عليه في المراسيم الدولية أيضا.

أما الاربعين يوما (*) التي أشار إليها نبيناالأكرم تساوي شهر و عشرة أيام، و هو أقرب تقدير و تطابق مع القانون الدولي منه في قانوننا، و أضن أن الهدف من الإسراع في المدة و التقليص منها هو رفع معنويات العمال و خفض أعبائهم من جراء الوظيفة و القلق و الخوف، الذي قد يؤدي بالعامل إلىسلوك أساليب معوجة لبلوغ الترسيم منه من الجدية في العمل، و جل من لا يخطأ، ما يدفع بالعمال إلى التكيف مع منطق العمل و وتيرته و نمطه ما يستعصي عليهم الإفادة برأيهم و مناهضة أربابهم خوفا من فقدان وسيلة العيش تلك، بالتالي لا يتعدى مهام العمال ولو رفيعوا المستوى و الكفاءة عدى التنفيذ و الصمت، و في ذلك سوء بدليل: "مَنْ سَنَّ في الإِسْلام سُنةًحَسنةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وأَجْرُ منْ عَملَبِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ ينْقُصَ مِنْ أُجُورهِمْ شَيءٌ، ومَنْ سَنَّ في الإِسْلامِ سُنَّةًسيَّئةًكَانَ عَليه وِزْرهاوَوِزرُ مَنْ عَمِلَبِهَا مِنْ بعْده مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزارهمْ شَيْءٌ".

في الكثير من الأحيان إن لم يأت التقليد عفويا لديهم حدث و أن أٌجبِروا عليه، عن طريق إما إسداء لهم خدمات ظاهرها بالمجان و أصلها بمقابل، أو رشوة العاملين معه بطريقة ما من الطرق أو حتى الضغط و التهديد إن تطلب الأمر ذلك.

إن لم نسمع عن التحرش الجنسي في العمل متفشيا في بلداننا فهذا راجع لكوننامتكتمين، و الرادع و الواعظ الديني و الأخلاقي ما يزال موجودا مقارنتا بالبلدان المتقدمة، إلا أنتحرشات من نوع أخر تفشت و هي التى تعرف بإسم التحرش المعنوي و النفسي-Harcèlement moraletpsychologiqueالتى لها نفس التأثير السلبي على الأشخاص و المجتمعات، و كل هذا بسبب إنعدام الرقابة و العكس من ذلك وجود تواطؤ.

(*) يتم الأخذ في أيامنا الراهنة عمليا و تطبيقيا بالأربعين يوما حتى في تلقين اللغات الحية، فعدنا نسمع بتلك المناهج التعليمية التي تقترح على طلابها المبتدئين تعلم لغة من بديتها في غضون أربعين يوما فقط.

و أبسط أشكاله أن يقال لك:"لا تسرع في العمل و إلا صورت للأخريين أني لا أعمل إطلاقاً" أو"أنا ذاهب للعمل، عوض من أنا ذاهب لأعمل"و أن تمتدح مسؤول لك في العمل في الوجه و حينما يوليك الدبر أو يأتى بجديد يحل محله، قلت عنهم:"إنهم جميعهم متشابهين و كلهميعملون لملأ بطونهم"أو أقوال أخرى مثل:"المال ليس مال أحد منا، فلا يتدخل أحد ليملي علي ما أفعل أو ما لا أفعل"، و بالتالي أصبت الهدف و لكن أخطأت الوسيلة فأطحت بالعزائم و شتت الجمع،

و إخترت ترك الحال على ما هو عليه دوماً، فنحن من لا يرفع بالتقارير للإدارة الوصية بالرغم من كون ضمن مهامنا الإدلاء لهم بها، لأهمية التقرير في السير الحسن للمهام.

أمكننا هذا من فهم مدى إختلاف المنظورات و زوايا النظر من شخص لأخر، فمشاهدة لوحة من اللوحات الزيتية عن قرب قد لا ينفع في كثير للتمتع بجمالها مثلما ينفع النظر إليها أحيانا من بعيد (*)، فكوننا نعيش في مجتمع ألزمنا أن نكون في إنسجام مع أفراده، و وحدها الثقافة و المواطنة الكفيلتان بضمان هذا الإنسجام للجميع.

* * *

(*) كما في حكاية جحا حينما يَعٌد حميره، فتارتا يجدها تسعة و تارتا أخرى يجدها عشرة، و هو تارتا على ظهر حمار و تارتا راجلا و يضن أن هنالك من يمازحه، فمرة يخفي عنه واحدا و مرة يرده عليه و هو ينقص منهم و يزيد فيتلف عليه الحسبة.

الإستعدادات و طرق تحفيزها

Les aptitudes et le moyen de les motiver

الشباب فترة عمرية من عمر الإنسان، إستحسنها أم إستهجنها فهي لصيقة بنا و تترك فينا أثرا أحببنا أم كرهنا، و من تترك فيه أثرا سلبيا ليس كمن تترك فيه أثرا إيجابيا. للتعايش معها ضوابط و أصول، إستوجب المرونة أحياناً و أحياناً أخرى الحزم و الشدة أو الجلد، و أن نتحملها كما أتت يتطلب منا الممارسة و الثبات على هذه الممارسة.

فلسنا قدريين الإحتمال بنفس الدرجة، و لسنا مهيئين جميعا لأن نشغل نفس المناصب بحكم إستعداداتنا النفسية و المرفولوجية تلك، إضافتا إلى عامل ثالث فرض نفسه الأخر والكثير يجهله ألا و هو عامل السيرة الذاتية أو ما يعرف بالخبرة الحياتية بالمفهوم العامي، فأن نشغل منصب أستاذ أو أن نشغل منصب طبيب أو حتى مدير أو وزير فحجم الوعي و كذا المسؤولية يختلفان، و يختلف معهما نوع و حجم الإستعداد(*).

في عالم الشغل عمال كثيرون لا يأبهون بهذه الإستعدادات و الفروق الفردية ما أدى بهم و بمن وظفهم إلى إحدى إثنين: إما أن يرهقهم العمل، و إما أن يوجهون إلى غير مناصبهم، فيعطون مردودا ضعيفا و بالتالى يٌقضى على مستقبلهم أو يقضى عليهمببساطة، و هم بدورهم يقضون على المؤسسة، واحدة بواحدة.

و المثل الشائع في هذه الحالة أن يكون قد تم التوظيف بإستعمال واسطة، أو لم يحسن تنفيذ عملية التوظيف و مقابلة التوظيف، أو أن لم تتمكن الإدارة الوصية من حسن إدراكمتطلبات

(*)مثال بسيط يكون قد جربته بنفسك: حدث و أن قدمت على رفع إناء ما فصدمت بأن لم تقدر عليهكون هذا الحمل خادعك، أي أنك ضننت أنه خفيف الوزن أو حتى فارغ من أي وزن أمكن أن يحتويه فلم تقدر عليه، لأن الحمل أتى أثقل مما كنت تتصور في حين صدر منك الفعل (الرفع) بمعنى أخر لم تستحضر القوة اللازمة لرفعه فخاب أملك و لو إستحضرتها لتمكنت منه بسهولة. و كذلك إن كان عقلك منشغلا و بالعكس إستحضرت قوةأكبر من الثقل المراد رفعه و لم تنتبه، فرأيت نفسك قد رميت به من فرط القوة المبالغ فيها و المستحضرة حين الرفع.

المنصب المراد التوظيف فيه. في كل الأحوال نجد أن العمال يشغلون مناصب إما ليست مهيأة لهم بحكم مؤهلاتهم أو التوجيه الخطأ داخل الإدارة، أو ضعف العمل المكتبي الذي من شأنه التوجيه نحو الرسكلة إن تطلب الأمر ذلك و الإكثار من الاجتماعات مع العمال قصد خلق جو من التواصل و الإعلام. و أن توكل المهام لمن هم أهلا لها من الكوادر المسيرة تفاديا لأحادية القرار و كذلك تفاديا لظهور الصراعات في مكان العمل التي قد تؤدي بدورها إلى ظهور: حوادث العمل، الأمراض المهنية، الحراك المهني و تفشي الإستقالات، ناهيك عن الظواهر الأخرى: كتذمر العمال، غيابهم و تأخرهم المتكرر بعذر و من غير عذر.

و جل من لا يخطأ كما يقولون، فالطبيب و إن كان الأكثر عَلاماً يحدث له و أن يخطأ،و خطأه في بعض الأحيان يودي بالحياة. ما الطبيب إلا إنسان، و الإنسان خطاء بطبعه، و صح القول أنه لولا الخطأ لما حدث و أن أصبنا يوماً، حكمة ربانية تسري في البشر و إن إغتر و أنكرها، و كما يقول المثل:"المصيبة التى لا تقتلني تجعلني أكثر قوة".

عمل الإنسان عمل فريد من نوعه و إن جاء يشوبه شائبة، على غرار عمل الكائنات الأخرى فإن عمله عمل غير نمطي، أي أنه قابل للتغير و للتطور: يسأله من في السماوات و الأرض كليوم هو في شأن فبأي آلاء ربكما تكذبان[سورة الرحمن، الأية 29 و 30]

فلباسه و مسكنه و وسيلة نقله لم تبق كما هي مع مرور العصور، بل حتى مأكله و إن لم يتغير في طبيعته إلا أنه تغير في شكله، أي الشكل الذي يعرض فيه، و شتى العلوم و الميادين لم نكن لنتخيل أنه سوف يخوض فيها و ينجح مع خوضه لها كل هذا النجاح، و لعل السر في ذلك خياله الواسع و إبتكاره للحلول دوماً.

أقر العالم الفيزيائي الشهير "ألبرأينشتين"بذلك، إذ قال:"إن الخيال أهم من المعرفة"، و أن نسيء نحن إلى عمل الإنسان بألسنتنا و نجعل منه سواء بسواء مع عمل الحيوان نكون قد إستهزأنا بمالكاته و أطحنا من قدره.

صحيح أن العنصر البشري يميل إلى الخمول منه إلى العمل، و مجتمعات بأسرها معروف عنها أنهالم ينفعها عملها، و مجتمعات أخرى أتاها الكثير من الكسب من جراءعملها و هممن نفس الطينة، في نفس هذا الصدد قال الله تعالى لأدم أب البشر:يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى[سورة طه، الأية 117 و 118 و 119]و ذريته: ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به[سورة البقرة، الأية 286]وفعلا: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا[سورة النساء، الأية 28]،فالعمل ليس طبيعة البشر و خصوصا إن كان هذا العمل لا يرقى إلى المطلوب و لا يستوفي شروطه، كأن يتمتع بظروف مواتية.

لا يجب فهم أن كل شيء مرده إلى الله، و لا مجال لنا إلا أن نسلم به إذ هو قضاء و قدر و ننفي مسؤوليتنا كبشر، و هو القائل: لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم[سورة الرعد، الأية 11]بلالله ذاته أوجب العمل و الدليل على ذلك أنه أوجب معه الجزاء(أجور أعمالنا):

وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[سورة التوبة، الأية 105] و هو الذي يذكرنا و ينصح لنا: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها[سورة البقرة، الأية 286]و لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة[سورة البقرة، الأية 195] و ثواب كل أعمالنا جنة لا صخب فيها و لا تعب و لا شقاء، إلا النعيم و الترف و الخدم و الحشم يخدموننا كالسلاطين، و كله راحة لنا من العمل الذي تعودنا عليه في الدنيا من قبل.

مقابل كل هذا النعيم عمل دنيوي كثرته منهيات، و المنهي هو في حقيقة الأمر كف أيدنا عن الأذى و عن عمل ما مشين، و الدليل:"لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكمكمايرزقالطيرتغدوخماصاوتعودبطانا"وو ذروا البيع ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون...قل ما عند الله خير من اللهو و من التجارة و الله خير الرازقين[سورة الجمعة، الأية 09] رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ[سورة النور، الأية 37] و بالتالي إختزل الله كل أعمالنا في واحدة مفادها ما من فعل و عمل ينفع "إلاالعبادات": وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ[سورة الذاريات، الأية 56]إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة[سورة التوبة، الأية 111].

فأي عبادة خير من شكر الله لنعمه علينا، و هو القائل:فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ[سورة البقرة، الأية 152] و لدين إسمه الإسلام أدرج عمل الإحسان رفعة لنا و زيادة و بركة، فيه ثواب و درجة و صرف أذى واقع، و الدليل من الكتاب و السنة:

هَلْجَزَاءُالْإِحْسَانِإِلَّاالْإِحْسَانُ[سورة الرحمن،الأية 60 ]وإنالحسنات يذهبن السيئات[سورة هود، الأية 14].

للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون[سورة يونس، الأية 26] إنا لا نضيع أجر من أحسنعملا[سورة الكهف، الأية 30] مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍأَوْأُنْثَىوَهُوَمُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[سورة غافر، الأية 40].

مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ[سورة الأنعام، الأية 160]."إن الله كتب الإحسان على كل شيء" و"من عمل منكم عملا فليتقنه" فــ:"المؤمن القوي خيرٌوأحبإلى الله من المؤمن الضعيف".

أتمنى أن نكون قد أجبنا عن معية الفرق بين المجتمعات في مستوى التطور الذي إختلفوا فيه، و يبقى أننا ننزل كلنا من نسل واحد هو نسل أدم و حواء:" كلكملآدموآدم من تراب".

و الفارق الوحيد هو في من يعمل و في من هو مكتفي بالجلوس، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إن نحن ها هنا قاعدون[سورة المائدة، الأية 24].

إلا أن هنالك شعوب تعمل و أخرى جعلت منه مهجوراً، و إنتهى بهم المطاف إلى اليأس من المحاولة:و تلك الأيام نداولها بين الناس [سورة آل عمران، الأية 140] صدق الله العظيم.

و هو أحسن من قائل لم يتركنا حائرين ضائعين هكذا، بل و حفزنا في صورة تحدي من أن نأتي بالمزيد، في قوله:يا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإنسِإنِاسْتَطَعْتُمْأَنتَنفُذُوامِنْأَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِفَانفُذُوالاتَنفُذُونَإلاَّ بِسُلْطَانٍ[سورة الرحمن، الأية 33]هذا السلطان هو سلطان العلم الذي منقلبه العمل، و لا يكتفي بل و يعطينا مثلا عن عمله جل و علا محفزا لنا أن بادر هو سبحانه:

وهوَ الَّذيخَلَقَ السَّمواتِ و الأَرضَفي سِتَّةِأيَّامٍ [سورة الحديد، الأية 04]

بديع السماوات والأرض إذا قضى أمرا فإنما يقول له كنفيكون[سورة البقرة، الأية 117].

هذا فيما يخص الفروق بين المجتمعات، و الفروق الفردية حدث و أن أخذناها مسبقا أيضا، بقي علينا أن نسلط الضوء أكثر على جوانب أخرى قصد نيل درجة من الوضوح للرؤية أبعد من أنوفنا و هي في الأساس أصل هلوستنا، ألا و هي أن نسمح من أن ندعى العالم الثالث و من دعونا به دعوا أنفسهم العالم المتقدم.* * *

ماذا من أن سمينا بالعالم الثالث؟

قصد فهم الحالة النفسية التى تعتريك بمجرد القبول بهكذا لقب، تخيل معي حال المتقدم لإمتحان و قٌبل بالخسارة؟ معنوياته هي بنفس معنويات الأول،في بعض الأحيان إن نديت من طرف أحدهم بغير لقبك أساءك ذلك و رددت عليه قائلا:"يا هذا، لدي اسم نادني به من فضلك"خصوصا إن كان الإسم الذي ألصقه بك إسما حقيرا.